حدادٌ وعيد (2)


أعلمُ كثيراً أنني نسيتُ أن أكمل ما كان لزاماً علي أن أكمله بأسرع وقت ، لكنني حقاً كنتُ أغرقُ يوماً بعد يوم في أكوام الكتب و الأعمال ، أعلمُ أنني تأخرت ، أسعدت مساءً و أعتذر .

مرت أيامي السبعة الماضية بسرعة حيناً ،وببطئ أحيانٍ أُخر ، وبين كُل المتناقضات التي أضحيتُ برفقتها وجدتُ أشياءً مرهونةً بأخر ، وأُشياء تفقد قيمتها في حضرة أخر . فنجدُ أنفسنا دون سابق إنذار بين أكوام لا نستسيغُ مذاقها ، ولا ندركُ سبب وجودها أصلاً ، فنكرهُ حياتنا من الرأس إلى أخمص القدم ، لأنها ببساطة بدت متناقضة إلى الحد الذي لا يُمكن معه فعل شيء دون أن يحطمه آخر ، قالت لي إحدى زميلاتي :(لا أشعر من شدة التخبط بقلبي ، أتراهُ مات ؟) لم أُجبها اكتفيتُ بالتبسمِ فحسب ، لكنني بكل التفاصيل شهدتُ موته! أردفت:(أتعلمين ، اليوم مشيتُ مسافة كيلومترات عديدة لأجل تسليم الدراسة ،وعند وصولي فوجئت بأن كُل شيء ذهب سُدى ، فلقد غادر الأستاذ مكتبه ، أتدركين هذا العناء ؟) تنهدتُ وقلتُ بغضب:( أدركه كما أدركُ مدى تغابي قلبك ! الحياة تعبت منك صدقيني ، أخبرتكِ في تجارب أشد ألماً أن هناك خطوات يجب أن تُدرس ، يجب أن تُعرف أبعادها ، عندما تأتين إليّ مرة أخرى وتقولين "مات قلبي " سأكتفي بدفنه وحسب). كان لابد لي أن أصب جم غضبي نصفهُ عليها ، ونصفه الآخر على رسائلك ، لأتعلم أنا وتتعلم أنت كم أننا نملك الحياة ونختارُ بدلاً منها الموت لنموت ألفاً.
 
في أيام الحداد ، كما أشرتُ في الرسالة الماضية ، استهجنتُ حديث بعض النسوة ، اللاتي كُن يتحدثن عن اعتيادية الموت ، فشيئاً لم يتغير ، كُل يوم جنازة تلوى أُخرى . أتدرك مدى بعدهن عن الحقيقة؟ هُن يجهلن كذلك أن الضيق الملازم لهن والجحيم الذي يعشنه في البعد عن خالق الكون لم يتغير ، وأصبح اعتيادي كذلك! الكُل يدرك أن الحقيقة ليست فيما اعتاد عليه من هراء ، لكن الهرولة إليها تحتاجُ إلى نوايا نقية . أتعلم ، كُلما اقتربت من الحقيقة ، كُلما أصبحت أكثر سعادة ،لانحتاجُ لأن نجوب العالم سعياً لنعرفها ،هي أقرب لنا مما نظن. طُبت وطابت أيامك ، وإلى اللقاء.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فتبينوا

منتزقآت .