بين الكلمة والأنا
كان صباحاً يشبه الكثير من
الصباحات المضجرة وكنت -أنا التي تتغير أسرع من الضوء-كل يوم بحلة مختلفة يكون
بمقدورها أن تقول للعالم :أنا مستعدة لمجابهتك .
بصوتها الحاد المتناغم مع
صوت جرس المدرسة جاءت تستفتح صباحي قائلة :بيخلصوه الشاي عنش! أنظر إليها بنصف عين
فتسترسل : يالله قومي ! تحسست الثقل المترامي عليّ وأقرر بإغماضي نصف العين أنني
لن أتزحزح.تصاب بخيبة وتقول :قووووووومي ! ينهض الأسد في داخلي وبزئير واحد ينهي
إصرارها ،لكنها قبل أن تعود أدراجها قالت بكل الإحساس الذي من الممكن أن يهز كل
الأسود في داخلي :لما أموت دوريلش أخت تنازعيها نزييين ؟! صفقت الباب .صفقت قلبي.
كيف يكون لطفلة كل هذا
الكلام ؟كل هذه السهام التي تبقينا في حالة ما بين البين من كل الأشياء:بين الحلم
واليقظة ،بين الحقيقة والزيف،بين الموت والحياة ...
المسافة التي تفصلنا عن الكلمات،التوقيت
الذي نحتاج فيه أن نقول شيئاً مجدياً ولا نفعل،محفل الكلمات المنسية في جوفنا
والحروب الدميمة التي ما فتئت في الذاكرة..وكل المدائن التي تدشن بكلمة:هل أنتِ
حقيقية إلى ذلك الحد الذي أستطيع أن أكتب له رسالة ؟
*رسالة:
أحس بك كما أحس بالصداع
عقب يومٍ مبهج،وأقول في نفسي أنكِ كائنٌ يشبه الخريطة في الحدود وتناغم
المسافات،يشبه المغناطيس في الأحداث التي يجذبها ..ويشبهني؛لأنني أؤمن أن لكل
إنسان كلماته التي تكونه .
أكتب لك لنتفق سوية على
بعض الأشياء .قبل عشرة أيام من اليوم شعرت بك قريبة كالوتين حينما كنتُ في حضرة
إحداهن،كنتِ تسكنين لحظتها على ناصية اللسان ،حسبتك مُرّة إلى ذلك الحد الذي يكون
إبقائك في الداخل مميتاً،لكن الأمر كان مختلفاً وفهمت شيئاً يومها ،أن الكلمات
التي تعيش في القرب مهما بدت مقيتة فهي في الحقيقة لا تتعدى حدود المشاعر التي تزول بمجرد البوح.
بعيداً عنها في أقصى
اليسار ،تسكن كائنات أخرى غير عادية، شبه مهجورة ،يخيل إليك أنها نائمة ،لكنها يا
صديقي تستيقظُ فيك حينما لا تريد ،حينما تحاول البوح بها لا تجد الوسيلة:الظلمة
تملأ المكان والمواصلات محظورة .البوح دائماً يكون صغيراً بالنسبة لها،إنه و لو
فعلت لن يكون شديد الفعالية !
صديقة لي قررت يوماً أن
تضع الحد لها،فأصبحت كـ "نيرون" حينما أحرق روما العظيمة ،لقد حولت
حياتها إلى خردة،مع أنها أحرقت كل ما له صلة وما ليس له صلة بالنكبة إلاّ أن شيئاً
ما لم يتحرك بداخلها .عادت تقول لي:كيف نحرق الأشياء في الذاكرة و نوقف الحروب
بدون دمار ؟ .اكتبي رواية واقتلي الدمار ،اصنعي من الكارثة فرحاً.
أحلم بكِ دائماً شفافة
كالماء العذب،تدفعينني قدماً لأعياد عظيمة ،كالحب ،وتمنحينني الخيار بأن أختار ،كما
الأم.لكنني :
لا أريدك مجرد حلم ؛لأنك
أنا :فإن المسافة بيننا هي أنا،و الوقت الذي أقضيه في التأتأة هو أنا.
لا أريدك مجرد حلم؛لأنك
تفتحين آفاقاً و تعيدين للأرض بهجتها .
لا أريدك مجرد حلم؛لأن
العالم تشبع من الأحلام .
كوني واقعاً ،تجلي فيّ
لأقول لأختي دائماً :أنا قاااايمة .
ارتباط جميلٌ بين بداية الحديث ونهايته، أحييك عليه، أحيانًا تلك الكلمات العابرة العفوية توقظ فينا الكثير.
ردحذف